محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
195
الإنجاد في أبواب الجهاد
وبالجملة ، فكل من بَذَلَ نَفْسهُ لإعزازِ الدِّين ، وتوهين أهل الكفرِ ؛ فهو المقامُ
--> = وأما إذا كان في صف المسلمين وأراد أن يحمل على الجيش من العدو وحده محتسباً بنفسه على الله ليقوي بذلك نفوس المسلمين ويلقي الرعب في قلوب المشركين ، فمن أهل العلم من كرهه ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء إلى التهكلة لقوله - عز وجل - : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [ البقرة : 195 ] وممن روى ذلك عمرو بن العاص ، ومنهم من أجازه واستحبه لمن كانت به قوة عليه وهو الصحيح » . فالخلاف في المسألة ضعيف ، قال ابن تيمية في « قاعدة في الانغماس في العدو ، وهل يباح » ( ص 24 ) : « والرجل ينهزم أصحابه ، فيقاتل وحده ، أو هو وطائفة معه العدو ، وفي ذلك نكاية في العدو ، ولكن يظنون أنهم يُقْتلون ، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ . وأما الأئمة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرهما ؛ فقد نصوا على جواز ذلك ، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما » ، ودلل عليه بتطويل من الكتاب والسنة وإجماع السلف ، ونحوه في « مجوع الفتاوى » ( 28 / 540 ) له . وكلام الشافعي الذي أشار إليه في « الأم » ( 4 / 92 ) قال - رحمه الله - : « لا أرى ضيقاً على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسراً ، أو يبادر الرجل ، وإن كان الأغلب أنه مقتول ؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحمل رجلٌ من الأنصار حاسراً على جماعة من المشركين يوم بدر ، بعد إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في ذلك من الخير فقتل » . وانظر : « الأوسط » ( 11 / 306 - 307 ) . وكلام أحمد في « مسائل صالح » ( 2 / 469 ) قال : « قلت : الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو ، أعانَ على نفسه ؟ قال : أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال : إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة ؟ فقال عمر : « ذلك اشترى الآخرة بالدنيا » » . وقال أبو داود في « مسائله » ( 247 ) : « سمعت أحمد بن حنبل يقول : إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ » . وقال : « لا يستأسر ، الأسر شديد » . وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر ؛ له أن يقاتلهم ؟ قال : « إذا علم أنه يقوى بهم » . وانظر : « المغني » ( 9 / 176 ) ، و « كشاف القناع » ( 3 / 70 ) ، « الإنصاف » ( 4 / 125 ) . وانظر مذهب الحنفية في : « أحكام القرآن » للجصاص ( 1 / 327 - 328 ) ، « حاشية ابن عابدين » ( 4 / 127 ) . وانظر للمالكية : « الذخيرة » ( 3 / 410 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 52 ، 53 ) ، « الفروق » ( 4 / 1401 - ط . دار السلام ) ، « التاج والإكليل » ( 3 / 307 ) ، « الخرشي » ( 3 / 120 ) ، « تفسير القرطبي » ( 2 / 363 - 364 ) ، « حاشية الدسوقي » ( 2 / 178 ) .